أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
171
التوحيد
وأيضا أن اللّه إذ هو مالك كل شيء وملكه الأشياء ليس بما أوجب له فيه الملك لملك العبد ، بل هو بذاته مالك بما هو خالق كل شيء . فأما أن يكون غير مالك لفعل العباد ولا ربّ لها فيجب به أن يكون للعباد ذلك ، فيكون ربوبيته وملكه ملكا ناقصا ، وذلك لكل مخلوق يملك أشياء ، بل هو أكثر ؛ لأنه يملك فعله وفعل غيره واللّه لا يملك ، وإذا ثبت له الملك في كل شيء لزم القول بخلقه ؛ إذ لا يملكه العبد ، ويملك الأشياء بالقدرة عليها أو تمليك من له تلك ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا إن العبد يقدر بإقدار اللّه إياه ، فلا يجوز أن يقدر بإقدار من ليست له القدرة عليه ، كما لا يجوز أن يعلم بإعلام من لا علم له به . أو لا يرى أنه إذا لم يجز لأحد القدرة على إقدار غيره على شيء لم يقدر هو عليه ، ومن له علم يعلم به غيره لم يجز أن لا يعلم هو ، فمثله الذي بيّنا ، وإذا ثبتت قدرة اللّه عليه ، وما يقدر اللّه عليه فهو محال وجوده بغيره ثبت أنه خالق ذلك . وأيضا إن العالم لا يخلو من الأعراض والأجسام ، وكل أنواع الأعراض أمكن في الحقيقة أن تكون فعلا لغيره فيكون العالم للّه ولخلقه من طريق الإنشاء والوجود ، وفي ذلك بطلان القول بوحدانية صانع العالم . ولم يختلف أهل الإسلام في إطلاق القول بأن صانع العالم واحد ، وقول من يبطل قوله عند التحصيل هذه الجملة التي شارك فيها الجميع مردود بالجملة على نحو قول اللّه تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] ، وقوله : إله كل شيء . إن قول الناس في التحصيل يجعل له شبها وعدلا في العباد منقوض بتلك الجملة ، وإن احتال فمثله الأول ، بل الأول أحق ؛ لأنه طريق العلم بالحرف الثاني وهو أن في تحقيق العالم تحقيق الوحدانية للخالق ، وبه يسلم له القول لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] ، وأنه الواحد لا شريك له ، فإذ أثبت العالم بشركاء له فيه لم يكن هو أحق بأن ليس كمثله شيء من أن يكون لمثله أشياء ، أو أن يكون إلها لما أنشأه وأخرجه من العدم إلى الوجود من غيره في ذلك ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا أنه لو لم يكن خالقا لأفعال الخلق عامة لما قدر على إظهار حجته التي أظهرها على أيدي رسله والتدبير الذي جرى عليه من أمر عالمه من أول ما أنشأه خلقه إلى آخر ما ينتهي إليه أمره منتقصا فاسدا لولا مساعدة خلقه له فيما دبر من البقاء وفيما جعل من العدم فيما أنشأ من النسل ، إن ذلك كله مما ظهر بأفعال خلقه وتم به ، وليس بحكيم ولا قادر من أراد أن يظهر حجة لا يقدر عليها إلا بالمعونة بعلم غيره وفعله ، بل هو جاهل عاجز . فثبت أنها كلها ظهرت بما خلقها على يدي من شاء ، كيف شاء ، على ما شاء جل ثناؤه . وأيضا أن القياس مما لا يخلو من أن يكون مستعملا فيما نحن فيه أو لا ، فإن